الشاعر والاعلامي صبري السعدي

الشاعر والاعلامي صبري السعدي

منتدى ادب وفن
 
الرئيسيةالبوابةبحـثمكتبة الصورالأعضاءس .و .جالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 دراسه عن النواب ...الدكتور حسين سرمك حسن(بين الثوره النوابيه...وحركة السياب الثوره)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صبري السعدي
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 171
تاريخ التسجيل : 13/12/2009

مُساهمةموضوع: دراسه عن النواب ...الدكتور حسين سرمك حسن(بين الثوره النوابيه...وحركة السياب الثوره)   الأحد أغسطس 28, 2011 3:26 am

دراسة عن النواب لملف الادب الشعبي

الدكتور
حسين سرمك حسن

(( بين الثورة النوابية ....

وحركة السياب الثورية ))





(( آنه يعجبني أدوّرعالگمر بالغيم ..ما أحب الگمر كلّش گمر ))

( مظفر النوّاب )

من قصيدة ( زفّة اشناشيل )



(( الكتابة هي عملية تحويل الدم إلى حبر ))

( ت . س . إليوت )



من وجهة نظري الشخصية ، وقد أكون مخطئا في ذلك لكنه اجتهاد على أية حال ،وللمجتهد المخطيء حسنة كما يقال ،إن ما حققه المبدع المعلم ( مظفر النواب ) هو ثورة في الأدب المكتوب باللغة العامية ، بكل مقاييس الثورة الإبداعية .يقابل ذلك ، والمقارنة من مميزات العقل البشري والمعرفة البشرية ومشكلاتهما في الوقت نفسه ،توصيف للتغيير الهائل الذي حققه المبدع الكبير ( بدر شاكر السياب ) بالحركة الشعرية الثورية .وهناك بون واسع بين الثورة والحركة الثورية . في مجال الثورة النوابية كنا أشبه بأناس اعتادوا أن يروا كل يوم بستانا كبيرة من الأدب العامي ثم نمنا ذات ليلة واستيقظنا فإذا بنا نجد غابة جديدة ساحرة قائمة بجوار البستان السابق لم نألف مظهرها من قبل..لا في شكل شجرها ولا في ثمره ولا في تنظيم صفوفه ؛ غابة آسرة وجدنا لغة طيورها فقط هي اللغة العامية ..لكنها عامية ليست كتلك العامية التي كنا نسمعها في البستان السابقة .كانت هذه الغابة مستقلة وقائمة بذاتها.. ظهرت هكذا .. وشاهدناها هكذا .. غابة اسمها (مظفر النواب) .أما بالنسبة لحركة التجديد الثورية التي قادها السياب فهي وفي تشبيه مواز أشجار باهرة نشأت عبر زمن من أحشاء بستان الأدب المكتوب باللغة الفصحى سابقا .قبل أن ننام كنا نشاهد يوميا الكيفية التي تتشكل فيها هذه الاشجار بيأس وصلابة وكيف تتنامى وتزدهرمن خلال محاولات مستميتة .كنا نلاحق محاولاتها من أجل التفرّد والتميّز .وفي كل صباح نستيقظ فيه كنا نلاحظ تغيّرا مضافا حييّا ومترددا في أغلب الأحوال ليتراكم ويتحول إلى تحول نوعي .كانت تلك الأشجار مماثلة للأشجار السابقة شكلا ولغة طير وثمرا ثم بدأت عملية ( استحالة ) عضوية تدريجية بحيث تحولت إلى بستان تدخله فتجد شجرا جديدا باسقا وثمرا جديدا يانعا وطيورا تغني بموسيقا ساحرة جديدة لكنك حين تسير بين صفوف أشجار البستان الجديدة ستقودك نهاياتها إلى أحشاء البستان القديمة متعشقة معها ومتواشجة ومحتواة في إطارها العام .وهذه البستان الجديدة كان فيها أشجار باسقة .. فيها نازك .. وفيها السياب .. وفيها البياتي ..ثم تلتها أشجار أخرى لاتقل عنها قيمة فنيا مثل بلند الحيدري والبريكان وسعدي يوسف وغيرهم .. لكن غابة العامية الجديدة كان فيها مظفر لوحده .. مظفر فقط ..كان غابة كاملة . ولو أمعنا النظر في الكيفية التي تشكل فيها الإثنان - غابة العامية وبستان التفعيلة - من ناحية العوامل المؤثرة فسنجد عوامل مشتركة كثيرة لكننا سنجد فروقات هائلة لعل في مقدّمتها الجهة المرجعية التي أنضجت التمرد في روح أبناء الحركة السيابية الثورية الجديدة ، ونعني بها الأب ( العمودي ) الذي ثاروا عليه ، ألا وهو شاعر العرب الأكبر ( محمد مهدي الجواهري ) .

إنّ جبروت الجواهري الشعري وسيطرته المحكمة على الساحة الشعريّة في القرن العشرين كسيّد لا ينازع لقصيدة العمود كان واحداً من أهم العوامل التي هيأت لظهور حركة الشعر الحديث في العراق. يقول((جبرا إبراهيم جبرا)): ((من المهم أن نلاحظ إن قمة الجواهري الشعرية في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات ، تعاصرها بداية الحركة الشعرية الجديدة في العراق. لم يترك الجواهري للشعراء الشباب متسعاً للمنافسة، وعندما تبلغ الأشكال الشعرية حدّها الأقصى من النضج والقوّة. فلابد من ثورة عليها استبقاءً للطاقة الشعرية وقدرتها للتعبير عن رؤية الإنسان، واستمرارها في البحث عن ما هو ربما أعمق وأوثق صلة بالنفس ، بالتاريخ، بالمجتمع المتغيّر. ومن هنا فإن تجربة بدر شاكر السيّاب مثلاً تنطلق من تمرد الجواهري إلى ما يشكّل تمرداً من نوع آخر، أبعد مدى.تجربة الجواهري تبقى تجربة المتمرد الذي لابد له مما يتمرد عليه باستمرار. إنّه تمرد يتوخى ما ينسجم مع إنسانيته، ولكنه يضع لنفسه أهدافاً قريبة تتصل بالحدث السياسي المباشر. أمّا تجربة السيّاب فإنها تتخطى هذا كله إلى تجربة ذاتية، تنفذ من خلال الحدث السياسي، بل تنفلت منه، الى التجربة الإنسانية الشاملة، تجربة المسيح في صلبه وبعد الصلب))(1).

((لقد استطاع الجواهري أن يجمع إلى وعيه التاريخي وعياً فنياً عالياً جعله من أعظم الشعراء السياسيين في العالم العربي إن لم يكن أعظمهم، فقصائده تفعل بالمتلقين فعل السحر الخالص.. ولقد شكل قاموسه الشعري المتميز خلفيّة قويّة لشعراء الرفض والثورة في الخمسينيات وعلى رأسهم السيّاب))(2) و((نحن إنّما نؤكد دور الجواهري، هنا دون سواه لإسباب من أهمها إنه ارتبط -وهو في قمة نضجه الفني- بالمدرسة الواقعية، مما جعل الشعراء الشباب في العراق ظلاله، فهم يكتبون شعرهم السياسي والاجتماعي- كما يقول السيّاب-على طريقة الجواهري وكأنهم يحسون - بدرجات متفاوتة-إن هذا اللون من الشعر يكاد يكون مكتملاً إن لم يكتمل فعلاً على يد الجواهري. ولمّا كان الشاعر الحديث يحب أن يثبت فرديته باختطاط سبيل شعري معاصر يصب فيه شخصيته الحديثة، ولمّا كان هذا الجيل من الشعراء أيضاً قد فاجأته الحرب العالمية الثانية، وهو غارق في عوالم الرومانتيكية الحالمة فأطلعته على الهوة التي تفصله عن مجتمعه، ونبهته الى وجوب نبذ الرومانتيكية والاتجاه الى الواقع فقد كان عليه أن يبحث عما يضمن هذا الاتجاه من طريق غير الطريق التي سدّها الجواهري))(3)

وتتحدث الدكتورة(سلمى الخضراء الجيوسي) في كتابها((الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث)) عن تأثيرات الجواهري في حركة الشعر الحديث في العراق فتقول((هذه هي القوة السحرية التي نشأ تحت تأثيرها السيّاب وجيله. فعند السيّاب تطورت إلى انتحاب طويل مفعم بالاحتجاج والعذاب، لكن التعابير المحمومة المختنقة عند الجواهري تتميز بعنف خاص بها، كما يتميز أسلوبه بفحولة لا مثيل لها في الشعر العربي الحديث، فهو قد استوعب تجارب شعبه العاطفية والروحية كذلك، وشعره يدور حول منبع الأزمة القومية بالذات))(4)

وفي محاولة لتحديد إنجازات الجواهري الشعرية تضع الدكتورة(الجيوسي) خمسة إنجازات سأحاول اختصارها فيما يأتي مركزاً على تأثيرات الجواهري في حركة الشعر العراقي الحديث:-

•1- ((الجدّية الشديدة في الموقف حيث لا أثر البتة للتزويقات والتفاهات التي ابتلى بها القسم الأكبر من شعر القرن التاسع عشر. وكان موقفه الجاد، الغاضب حتى التطرف أحيانا، قد قام أساساً متينا لشعر الرفض والغضب في فترة لاحقة))((5)

•2- ((إن الانسياب العاطفي القوي في شعره أعطى دفقة التحرير الاخيرة في شعر طالما عانى الزيف العاطفي. وكان كذلك قوة تحرير لروحية الجيل يقوم بدور التطهير ضد التيارات الداخلية الخانقة في الحياة العربية. وقد يكون شعر الجواهري قد قام بدور مهم في تهيئة الشعب العراقي عاطفيا لمقدم الثورة واندلاعها)).(6)

•3- ((إن الدفقات العاطفية في شعر الجواهري تعطيه قوة ايقاعية ذات توتر يناسب نوع الاندفاعات الغاضبة التي تميز شعر هذا الشاعر.وقد كان لهذه التقنية الايقاعية تأثير فيما بعد‘ فقد استغلها الجيل اللاحق استغلالا كاملا. وقد قُدّر للسياب أن يكون أعظم وريث لهذه القوة الكلاسيكية المتمثلة في إيقاعات الجواهري فاستغلها في الشكل الجديد من الشعر الحر،وأعطى ذلك الشكل منذ البداية أساسا متينا لتبنى عليه تنوعات إيقاعية عديدة مبدعة))(7)

•4- ((ان اللغة الشعرية عند الجواهري غنية ، يختارها بعناية. فهو يرى أن الكلمة الشعرية هي التي تقرر إن كان الواحد منّا فنانا أو غير فنان...... والواقع أن الجواهري قد أدخل الى الشعر العربي مصطلحا شعريا جديدا بإدخال كلمات عديدة تشير إلى العنف عنصرا في الحياة العربية ،كلمات مثل الدم ،الموت ،العاصفة ،النار،الضحايا ،الشهداء ،السم ،الجوع ،الغمام ،الضباب ،الثورة ..إلخ.وقد استُغل هذا المصطلح إلى أقصى حدوده في شعر المنابر الذي وافق الثورات العربية المختلفة في حقبة الخمسينيات،لكنه تسلل كذلك بشكل أكثر رهافة إلى شعر كثير من شعراء الطليعة ،وبخاصة السياب ))(Cool

•5- ((أن الجيشان العاطفي والإيقاعات الحيوية المتطافرة يسندها نوع من النبرة التي،على الرغم من وجودها بدرجة اقل في بعض شعر الرصافي ، تخلق جواً له خصوصيته. وهي نبرة تتراوح بين الغضب المرعب في قصائده الوطنية وبين انشغال جاد في قصائده الغزلية ،جاد إلى حدّ أن صورة الموت كثيرا ما تتسلل إليها....وأخيراً فان عبقرية الجواهري الفائقة تكشف عن نفسها في صوره الشعريّة،فهو يقتصد في استعمال التشبيه القديم بما فيه أحيانا من مضامين مباشرة مسطّحة.وقد حلّ محله في شعره ذلك التطوّر الحديث نحو الصورة الحسية، صورة ملموسة، حيوية، مدهشة ، تدعمها كثافة عاطفية))(9)

((ولعلّ شعر الجواهري ساعد أيضا في إنقاذ الشعر العراقي في حقبة الثلاثينيات والأربعينيات من الوقوع فريسة لبعض التجارب الجديدة غير الموفّقة التي كانت تجري في مصر،والواقع أنه لم يستطع سوى أفضل الشعراء المصريين في ذلك الوقت أن يكون لهم أي أثرّ في نازك والسيّاب والبياتي..ولكن ((هؤلاء الشعراء الثلاثة وسواهم من شعراء الجيل بعد الجواهري يدينون بقوتهم جزئيا إلى الانجازات المتنوعة التي قدّمها جيلان من شعراء العراق قبلهم،وبخاصة للقوة الكلاسيكية في شعر الجواهري التي لم تكتف بالوقوف شامخة إزاء المحاولات الساذجة التي قام بها الزهاوي والرصافي،بل إنها قطعت الطريق على أي محاولات في التجديد قبل أوانها وزودت الجيل الجديد من شعراء العراق في الخمسينيات بأساس متين يبنون عليه....))(10)

هكذا يكون هناك أب روحي - عرّاب للحركة الشعرية الثورية الجديدة التي قادها السياب .. لكن من هو الأب الروحي للثورة النوابية ؟ .الجواب : لا أحد .فبمن تأثر النواب من شعراء العامية ؟ هل كان لحضور (الحاج زاير الدويج) بموالاته الحكمية التقليدية واشعاره الاخوانية رغم فرادتها وأهميتها مثلا أثر في تشكيل رؤيا النواب وحفز مهاراته الإبداعية نحو الخلق والتمرّد ؟ وهل هناك تأثيرات بارزة ل ( الملا عبود الكرخي ) بسخريات مجرشته المشهورة - رغم أقاويل البعض بأنها مسروقة من شاعر آخر مغمور غدر به - ونقدياته الاجتماعية الفجة مثلا ، تأثيرات نجدها في شعر النواب ؟ .هل هناك مجال لأي مقارنة منطقية بين نص للنواب وأي قصيدة عامية كتبت قبله نحتكم إليها بحيث نثبت أن النواب كان وريثا شرعيا لكن متمردا ثائرا على السلطة الشعرية الأبوية الحاكمة في الادب العامي ؟.

لقد عدت إلى كتاب السيد ( علي الخاقاني ) المهم ( فنون الأدب الشعبي ) بأجزائه الأربعة التي جمع فيها كما كبيرا من نتاجات شعراء العامية العراقيين في القرن العشرين حتى بداية الستينات وأحصيت عدد الشعراء الذين وردت أسماؤهم في فهرست الشعراء في ختام كل جزء من الأجزاء الأربعة فوجدت أن العدد يقارب الـ (480) شاعرا بينهم الكثير من الشعراء المعروفين آنذاك شعريا ووطنيا بفعل مواقفهم الملتزمة مثل عبد الصاحب عبيد الحلي وعبد السادة الكصاد وحاج زاير الدويج وحسين قسام النجفي وعبد الامير الفتلاوي وملا منفي عبد العباس وملا عبود الكرخي وعبود غفلة وباقر الحلي وعبد الأمير النيار وغيرهم.. وراجعت منجزهم فلم أجد أحدا منهم يمكن أن تكون له سطوة الجواهري الشعرية الضارية التي على النواب أن يتمرد عليها من ناحية ولم أجد لأي منهم - على الإطلاق - أي امتدادات فنية أو لغوية أو جمالية أو فكرية- مباشرة أو غير مباشرة - في منجز النواب من ناحية أخرى . لقد كان النواب نسيج وحده .. غابة شعرية عامية استيقظنا فوجدناها أمام أعيننا تحدّثنا بخطاب عامي جديد على الصعد الفنية كافة .





الهوامش :

1و2و3-الصراع بين القديم والجديد في الشعر العربي -د.محمد حسين الاعرجي - المركز العربي للثقافة والعلوم - بدون تاريخ

4و5و6و7و8و9و10- الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث -د.سلمى الخضراء الجيوسي -ترجمة د.عبد الواحد لؤلؤة -مركز دراسات الوحدة العربية -2001.







( 4 )



((مظفرالنوّاب .. رائد الثورة العامية الحديثة ))





(( حسّك عضّاني من شفافي ))

( مظفر النواب )

من قصيدة ( أوكح منّك )



(( عندما يجهز التلميذ .. يظهر أستاذه ))

(حكمة وردت في فيلم - زورو-)





من ميزات رواد الشعر الحديث ( السياب ونازك أساسا ثم البياتي لاحقا ) هو أنهم تتلمذوا في مراحلهم التمهيدية أو الانتقالية على أيدي من سبقوهم من شعراء العمود وخصوصا الجواهري كما بيّنا اعترفوا أم أبوا ثم كان لهم شرف النهوض بالحركة التجديدية الثورية . لكن مشكلة النواب هو أنه انبثق هكذا.. النواب رائد الثورة العامية الحديثة في الشعر الشعبي وفارسها الوحيد ..ومن أقوال الإغريق المأثورة هو : ( عندما يجهز التلميذ.. يظهر أستاذه ) وقد أسهم أساتذة العمود الشعري في إنضاج إمكانات تلاميذ الحركة الثورية الحداثية حتى استوى وجود هؤلاء على سوقه ثم انقلبوا على أساتذتهم بعد ذاك ولكن بقوا متعايشين معهم حتى يومنا هذا ..والأبناء الثائرون أنفسهم استمروا في كتابة قسم من قصائدهم بالطريقة التي تمردوا عليها .في حين أن التلميذ مظفر حين نضج ، ظهر أستاذه وكان هذا الأستاذ - ويا للعجب - هو مظفر نفسه.

في قصيدته ( ثورتنا المقدسة ) وهي من مجزوء التجليبة ،وكتبت في أواخر الخمسينيات ، يقول الشاعر الثائر (عبد الحسين الكصاد ) في وصف الثورة العراقية وأبطالها الأشاوس وهو مؤرخ شاهد لأنه كان من المساهمين فيها :

ارجال اعراگنه ثارت - وسار النصر ويّاها

شبت للحرب نيران - وانشالت رواياها

# # #

من شالت رواياها - وشبّت للحرب نيران

يوم اتلثطعش شوال - وثلاثين بحزيران

ابيوم البرميثة الجو - انحاس أووّقفوا شعلان

إجو عشرة الظوالم ليه - أوكسرو باب مبناها

والقصيدة تقع في أكثر من (64) بيتا تنحو هذا المنحى المباشر الذي لايزيد في تشكّله الظاهر عن كلام يومي وصفي أخذ شكل القصيدة - لا الشعر- من خلال التنظيم العروضي . لكن مظفر يقول في قصيدة (سفن غيلان ازيرج) وهي من قصائد الهم الوطني الفريدة التي لا يمكن قياسها على أي أنموذج سابق :

(( زلمنه تخوض مي تشرين ..حدر البردي تتنطر

زلمنه اتحز ظلام الليل.. تشتل ذبحة الخنجر

زلمنه الماتهاب الذبح .. تضحك ساعة المنحر

يساگي الشمس من عينك .. ابعز الشمس حُب أخضر

لون حلّت نسمة الليل .. شعرك .. تنشگ العنبر

أحط الحجل للثوار .. گمره زغيره عالمعبر

وأشيّم أترف النجمات .. فوگ شراعكم تسهر

سفن غيلان ازيرج تنحر الذاري

لون ودّن سفنهم يمّك اخباري .. ))

ونحن هنا ولأول مرة في تاريخ الشعر العامي العراقي لا نجد أنفسنا أمام حديث يومي وصفي مباشر منحه التنظيم العروضي شكل القصيدة بل نجد أنفسنا نقف وبخشوع ودهشة أمام الشعر بجلاله المهيب . لأول مرة تأتي المفردة ( نازكة ) و ( نظيفة ) وهادئة يتكفل احتدام روح الشاعر المحبط الناقم المحتدم بتحميلها بألوان من الشحنات العاصفة . قبل مظفر من المستحيل عليك - وسيضيع جهدك هباء منثورا - أن تجد في الشعر العامي العراقي تراكيب من نمط الظلام الذي ( يُحزّ) بأذرع الرجال الباشطة.. قبل النواب الخنجر يذبح ويقطّع ويميت ولكن على يديه صارت عملية الذبح بالخنجر فعل ( شتال ) دوري عزوم ..لأول مرة - وبعد أن كانت اللغة تتلاعب بمقدرات الشاعر وفق أعرافها الإستعمالية اليومية الجمعية القاهرة - يظهر شاعر يتلاعب باللغة وفق قدراته الخلاقة العالية . قبل مظفر كان الشعر العامي بقواعده الإستعارية المحدودة وضيق أفق النظرة اللغوية والجمالية قد يتحمل صعود الفرد إلى ذرى الشمس بشجاعته وجرأته، لكنه غير قادر- معرفيا وفنيا - على استيعاب تركيب مجازي ثوري يسقي فيه الفرد عين الشمس - في عزّ جبروتها - حُبّا اخضر!! وفي أحشاء هذه الصورة الهائلة هناك تصوير تشكيلي عجيب غائر تتقابل فيه عين الفرد مع عين مفترضة للشمس!! ،كما كانت رؤية الشاعر الجمالية سابقا عاجزة عن أن تؤسّس لتناظر موغل في الجمال بين استدارة حجل الفتاة-الراوية في تحوّلها من كيان ماديّ محدود يحيط بالساق إلى عنصر كوني(كمرة)-رغم أنها (زغيرة) والتصغيرعند النواب تكبير وتضخيم من خلال صدمة الجناس التشكيلي غير المحدود - عنصر شمولي التأثير يضيء للثوار طريق عبورهم نحو ضفة الخلاص . لقد دخل الشعر العامي وبصورة لا سابقة لها ساحة المجاز الشعري الحقيقية ..فلم نجد قبل مظفر أن نجمة ترف فوق الشراع وتسهر بتأثير نخوة من أمرأة تحترق عشقا لرجلها المقاوم الجبّار ....ولا امرأة تفلّ حسرتها - بما يحمله فلّ الحسرة من معان موروثة في اللاشعور الجمعي - في شليل المحبوب .. ولا كيف ينتهي سهر النجوم حين ينطفيء لونها الأزرق وذلك بفعل تغنّي القصب بحنين الحبيبة العارم لحبيبها الغائب :

(( زلمنه تخوض مي تشرين ..حدر البردي تتنطر

زلمنه تغني والخنجر ،يشگ الروح ، (عالميمر)

لون كل الگصب غنّه بحنيني لشوفتك ، يا أسمر

يسلّ الگصب سل أصفر... وأظن الماي يتمرمر

وأظن حتى النجم يطفي زراگه ، ولا بعد يسهر

وأظن أكثر ... ))

ولا أعتقد أن أحدا قبل النواب اجترح وبصوت مدوّ إعلان الخطاب العاطفي في القصيدة العامية بضمير المتكلم الأنثى .هو الذي كشف واستثمر بجسارة صوت الظلّ الأنثوي البهي في شخصيته - شخصية الشاعر - هذا الظل الذي هو المسؤول عن الإبداع في حياة الإنسان عبر كل العصور . والأدهى من ذلك أنه اجترح هذا الإعلان عشقا ثوريا تمتزج فيه نداءات القلب الملتهبة بالهم الجمعي النضالي . إنها بادرة فريدة في مسيرة الأدب العامي العراقي أن ينبري شاعر ليكتب خطاب إمرأة تفضح حبّها العاصف لحبيب مناضل ثائر هي التي تمنحه مدّ المعنويات مرة وتستجير بعشقه مرة ثانية وتتمزق حد الإنذلال بسبب انقطاع الرجاء وانعدام الاستجابة المقابلة مرة ثالثة :

((يا معوّد .. دِخيل امروتك السمره

دِخيل الشوگ.. أحب جفك .. أحب إيدك ..وشوف شفاف ..لو جمره

وليالي الصيف ما ودّتلك اخباري

دَ سِيل الجاري .. يحچيلك على الجاري

سفن غيلان راحت تنحر الذاري

وحك عين التشوفك ميل ..

وأزود من مسافة ميل

راحت تنحر الذاري .. ))

وهذه الخلطة العجيبة جديدة تماما على الشعر العامي العراقي منذ ظهوره..إنها خلطة نوابية بعلامة مميزة حمراء كتب عليها ضمنيّا( إحذروا التقليد )..وقد حاول الكثيرون من شعراء العامية الذين اعقبوا النواب تقليدها ففشلوا وأصابهم الخذلان وبقي مظفر لوحده في ساحة الشعر تزدهر غابته يوما بعد آخر وقصيدة بعد أخرى حتى يومنا هذا..ومع وجود السياب كان هناك شعراء آخرون جايلوه أو سبقوه لم يجدوا عناء كبيرا في فكّ أسرار شفرته،في حين لم يستطع أحد فك أسرار الشفرة النوابية رغم أنها بسيطة ..لكن دائما يكمن التعقيد في البسيط وأتمنى أن يراجع القاريء تحليل( جاك لاكان ) المعجز لقصة ( إدغار ألن بو ) (الرسالة المسروقة) ليمتلك مقتربا أمينا يعينه على الإمساك بالطريق الموصلة إلى مفاتيح الشفرة النوابية التي كان حال الشعراء اللاحقين مثل حال رجال زوجة الملك التي سرق الوزير الرسالة منها وأخفاها في مكان لم يجده فيها أحد منهم لأنه وضعها في أقرب مكان ( متوقع ) إليهم وجاء المفتش العجوز ليفكر ببساطة محكمة ويعثر عليها في المكان الذي لا يفكر فيه أحد لأنه المكان الذي يفكر فيه الجميع عادة :

(( سفن غيلان ازيرج تضوي بالعبره

يا غيلان ،يا غيلان ازيرج ، گلبي شيصبره ؟

إخذ كل الزلم واملي السفن ، يا عيني .. الله وياك

وفد جلمة عشك حلوه ،أظن إلها مچان هناك

ذبها بسكتة العنبار ..يا غيلان

خلها تعانگ السكان.. يا غيلان

شارة نصر للسفّان.. يا غيلان.. ))

نحن لم نر من هو غيلان ازيرج الثائر حتى الآن إلّا من خلال صوت العاشقة اللاهث الذي يعزز حرقته الإيقاع المتسارع للقصيدة وتكرار النداء الموجع (يا غيلان)الذي يأتي مدوّيا لكن كسيرا بلا رجاء .إن مزاوجة العشق بالثورة بل التحامهما المميت لم نجد له أنموذجا واحدا في مسيرة الشعر العامي العراقي المديدة قبل ذلك .وهذه المزاوجة المحكمة قد نسجت بمسارات ملتحمة ومنضبطة أسست وبسبق بارز لوحدة القصيدة الموضوعية من خلال (السرد). صار لدينا في القصيدة العامية حكاية و( حبكة ) بعد أن كانت هناك حكاية مملة مفككة الأوصال، حكاية تشد المتلقي وتجعله ينتظر نهايات وقائع في الوقت الذي كانت فيه الأحداث في القصيدة القديمة عبارة عن تنضيد مشاهد لا أواصر تجمعها .كانت مشكلة القصيدة العامية الكلاسيكية تشبه - في جانب أساسي منها - معضلة القصيدة العمودية وهي أنها قصائد(بيت)،أبيات ينضد واحد منها فوق الآخر بحيث أنك لو قدمت بيتا على الآخر لن يختل نظام القصيدة.خذ أي قصيدة للمتنبي وحاول أن تقدم أو تؤخر في ابياتها ستجد أن معمار القصيدة لن ينهار مطلقا.والمشكلة أنه حتى الجواهري الذي اعتبرناه عرابا للحركة الشعرية الثورية الجديدة التي قامت في جانب منها على تنوّع القوافي - وهذا ما كشفه الناقد المبدع الدكتور محمد حسين الأعرجي في كتابه المهم عن الجواهري - كان يضع ورقة يكتب عليها الكلمات التي تنتهي بحرف الروي المطلوب ثم يبدأ بصياغة الأبيات بحيث تنتهي بقافية الكلمة المثبتة أمامه بصورة مسبقة - طبعا لو أعطينا أي شاعر ألف كلمة تنتهي بحرف روي واحد لن يستطيع خلق قصيدة عظيمة من مائة بيت مثلما كان يفعل الجواهري الكبير. وهذا ما كان يحصل في القصيدة العامية القديمة أيضا . لكن مظفر ألغى هذه القاعدة البائسة وابتكر وحدة للقصيدة عبر السرد المخاتل الذي يقوم على أساس مراوغة المعنى وعدم رسم مساره بطريقة مستقيمة وهو ما نسميه بالحبكة . فحين نقول والوصف مأخوذ عن الناقد الانجليزي " ريتشارد واغن "( مات الملك ثم ماتت الملكة ) فهذه قصة أو حادثة أو حكاية ، لكن حين نقول ( مات الملك ولا نعلم لماذا ماتت الملكة بعده بوقت قصير ) فهذه حبكة .. هناك شيء غير مكتمل .. مصير غير مقرّر لا من الله ولا من القدر ولا من الإنسان..من الشاعر فقط. .باب مفتوح لا احد يغلقه رغم أن بعده بخطوة تقوم الجحيم . وحين تكمل قصيدة(سفن غيلان ازيرج) سوف تثور في أعماقك تساؤلات عن سر اندفاعة هذه المرأة العشقية المحمومة وراء حبيب ثائر لا يمنحها أذنا صاغية .. إندفاعة تصل حدّ تقبيل الأيادي ملاحظين جناس الكف واليد ( أحب چفك .. أحب إيدك ) الذي ضاعف وقع الفعل ( أحب ) ليجعله مزدوجا حاميا ..وهذا يعبّر في فعله عن المهارة المدهشة لمظفر في ابتكار الجناسات الحيّة أولا واستخدام ماهو مؤسس منها بطرق جديدة صادمة ثانيا .أنظر إلى (الجاري - تيار الماء ) الذي يُسأل فيتحدث عن (الجاري- الحوادث القائمة).. ومثل (ميل) قامة المحبوب الذي تراه عين الحبيبة من أكثر من مسافة(ميل)-(يا ألله..هذه اللقطة لا يمكن أن تعرض إلّا على شاشة سينما اللاشعور فقط).ونحن في هذه القصيدة ، نقف - في الحقيقة - أمام ثورتين مباركتين : ثورة غيلان ازيرج الهادرة التي عبّرت عنها الراوية العاشقة بصولة سفن الرجال الذين سيحزّون رقبة ظلام الليل ؛ ليل العبودية والذل والاستغلال والمهانة ، وثورة هذه المرأة التي ستموت حبّا والتي وقّت مظفر ساعة صفر ثورة انفعالاتها الإنفجارية مع ساعة صفر انطلاقة سفن الثوار الكاسحة .. فتضاعف الفعلان لينجبا ثورة ثالثة ( أطروحة ثورة غيلان + طباق ثورة العاشقة = تركيب ثورة القصيدة .. وستجد مثل هذا الاستثمار المستعار من الجدل الهيغلي مجازا في قصائد كثيرة للنواب - طبعا مستعار بصورة غير مقصودة فرضتها تلقائية حركة لاشعور الشاعر-)..ثورة ثالثة تجتاح كيان المتلقي بموجات انهمام الثائر المعشوق بثورة عارمة في الأمام غافلا عن ثورة أكثر اضطراما في الخلف..ثورة صاخبة .. توسّلية راعشة ..يشهد عليها المتلقّي بارتدادات استجاباته النفسية الداخلية الراجفة..هذا المتلقي الذي سيصبح بفعل تخطيط مقصود الآن من مظفر الملاذ الوحيد الذي يستقبل ارتطامات موجات نداءات الحبيبة المحترقة ألما وحبا ويأسا وفخرا فيتحول إلى بديل عن غيلان ازيرج..أو- بفعل الرغبة النرجسية المشروعة - هو غيلان نفسه المتمنّع نضالا عن سماع هتاف الحبيبة المدوّي عشقا ..ويؤجج حالة التماهي هذه الاستقرار النهائي على استخدام ضمير المخاطب في المقطع الأخير بعد لعب مظفر الذكي على الضمائر التي تتحول بها العاشقة من ضمير غائب الجماعة والشخص الثالث إلى ضمير الأنا(قبل النواب لم يكن هناك لعب وتنويع على الضمائر في القصيدة الواحدة) . والثورة الثالثة - التركيب - synthesis تعلن عن ولادة فعالية خلاقية ستسم النص النوابي من ذلك الحين حتى اليوم .. فعالية تمتزج فيها رعشة الحياة المكافحة بهجمة الموت الكاتمة لينجم عنها عنف من نوع جديد ( تركيب ).. لنسمّه (العنف المحبّب)أو ( العنف الآسر )..مقارنة بالعنف الدامي الذي طبع نصوص الجواهري ونصوص ورثته المتمردين من شعراء الحركة الثورية الشعرية الجديدة .





( 5 )

((مظفر النواب :

الحداثة الشعبية..هذا المركب العجيب))





(( أمس ..

طشّيتك على الأيام

صم نسيان

سمّيتك حزن

وصّيت نفسي

من معزتك تنسه اسمك

تترك السبّورة سوده

مثل أمس

تمحيلي رسمك .. ))

( مظفر النواب )

من قصيدة ( متت )





(( ألا يتساوى الأمير والفقير في حضرة الردى ؟ ))

( ملحمة جلجامش - اللوح الحادي عشر)



إن العنف الذي أدخله مظفر النواب إلى القصيدة العامية هو من نوع ( العنف المحبّب ) أو ( العنف الآسر ) الذي يختلف جذريا عن ( العنف الدموي ) الذي أدخله الجواهري إلى القصيدة العراقية الفصحى والذي امتدت عدواه إلى روّاد قصيدة التفعيلة . يقول الجواهري في قصيدة ( أخي جعفر - 1948) :

أتعلم أن جراح الشهيد - تظل عن الثأر تستفهم

أتعلم أن جراح الشهيد - من الجوع تهضم ما تلهم

تمصّ دماً ثم تبغي دماً - وتبقى تلح وتستطعم

.............

أخي جعفرا يا رواء الربيع - إلى عفن بارد يسلم

لثمت جراحك في ( فتحة ) - هي المصحف الطهر إذ يلثم

وقبلت صدرك حيث الصميم - من القلب منخرقا يُخرم

وحيث تلوذ طيور المنى - به فهي ، مفزعة ، حوّم

أرى أفقا بنجيع الدماء - تنوّر واختفت الأنجم

ويقول أيضا في قصيدة ( أطبق دجى - 1941) :

أطبق دجى ، أطبق ضباب - أطبق جهاما ياسحاب

أطبق دخانُ من الضمير - محرّقاَ أطبق عذاب

أطبق دمارُ على حماة دمارهم ، أطبق تباب

أطبق جزاءُ على بناة قبورهم ، أطبق عِقاب

أطبق نعيب يُجب صداك البوم ، أطبق يا خراب

أطبق على متبلّدين شكا خمولهم الذباب

لم يعرفوا لون السماء - فرط ما انحنت الرقاب

ولفرط ما ديست رؤوسهم كما ديس التراب

أطبق على هذي المسوخ - تعاف عيشتها الكلاب

في كل جارحة يلوح - لجارح ظفر وناب

يجري الصديد من الهوان كأنه مسك ملاب

هذا العنف الجواهري الدموي بحدّته المروّعة وإيقاعاته الصاخبة ومفرداته الوحشية هو الذي تشظّى في أرواح فرسان الحركة الشعرية الثورية الجديدة وانسرب في نصوصهم سواء أكانت من نمط التفعيلة أم من نمط العمود .يقول السياب في قصيدته ( رؤيا في عام 1956) :

حطّت الرؤيا على عيني صقرا من لهيب :

إنها تنقض ، تجتث السواد

تقطع الأعصاب تمتص القذى من كل

جفنٍ ، فالمغيب

عاد منها توأما للصبح - أنهار المداد

ليس تطفيء غلّة الرؤيا : صحارى من نحيب

من جحور تلفظ الأشلاء ، هل جاء المعاد ؟

أهو بعث ، أهو موت ، أهي نار م رماد ؟

ويقول في قصيدة ( بورسعيد - 1956 ) :

يا حاصد النار من أشلاء قتلانا

منك الضحايا وإن كانوا ضحايانا

كم من ردىً في حياة وانخذال ردىً

في ميتة وانتصار جاء خذلانا

إن العيون التي طفأت أنجمها

عجلن بالشمس أن تختار دنيانا

وامتدّ كالنور في أعماق تربتنا

عرس لنا من دم واخضل موتانا

ولاحظ الفارق الشاسع بين عنف الجواهري والبنية الفنية واللغوية والجمالية لقصيدته وبين بنية قصيدة السياب العمودية التي لاترقى إليها وتبقى تابعة لمنجز الجواهري شكلا ومضمونا وقدرة تصويرية .لكن ما يهمنا هنا هو أن العنف الجواهري الوحشي عنف معد أصاب بعدواه شعراء الحركة الجديدة الذين امتدت في نصوصهم مفردات الجواهري :الدم ، الجثث ، الجراح ، الموت ، العاصفة ، الخراب .....إلخ .

أمّا العنف النوابي فهو العنف المحبّب - العنف الآسر ، العنف الناجم عن تشابك إرادتي الموت والحياة في وحدة جدلية خلّاقة :

زلمنه تخوض مي تشرين ..حدر البردي تتنطر

زلمنه تغني والخنجر ..يشگ الروح ، ( عالميمر )

لون كل الگصب .. غنّه ..بحنيني لشوفتك ..يا أسمر

يسل الگصب سل أصفر

وأظن الماي يتمرمر

وأظن حتى النجم يطفي زراگه..ولا بعد يسهر

وأظن أكثر

وللشاعر ( جعفر الأديب النجفي ) قصيدة استثمر فيها أهزوجة من أهازيج ثورة العشرين هي ( يردس حيل الموضايگها ) يقول فيها :

لو هب عج الشرجي اوكبّر - اوسفّانچ يمهيله اتحيّر

انخي الضاگ المر وتمرمر - للدفّه بشوگ ايعانگها

يردس حيل الموضايگها

ملّاح اللي فج ابحرها - لو مر ابخورة ايدبرها

لو شلهت بمتونه ايجرها - اومن جزره لجزره ايعبرها

مو مثل اللي مو خابرها - يرگص عل صاري اوغرگها

يردس حيل الموضايگها

ويقول مظفر في قصيدة ( مامش مايل ) :

يلعابر مينه بليل ازرگ .. والشهگه اتحطك وتشيلك

وگلادة مهرك تتشامر .. عل الليل ..نجوم تضويلك

يمشرّد بزبون الزفّة ..شموع الزفّة اتطرز اشليلك

گل للعايل .. ما مش مايل .. إلّا ويغرگ

وإذا كان في عيّنة القصيدة الكلاسيكية التي اخترناها للأديب شيء من الحركية فإن الثورة النوابية قد دشّنت مرحلة الإنتقال النهائي في القصيدة العامية العراقية من المرحلة ( الفوتوغرافية ) إلى المرحلة ( السينمائية ) إذا جاز الوصف .في قصيدة مظفر حركية محسوبة يفرضها الإحساس باحتدام المشهد الصوري الشعري والحاجة التعبيرية لتجسيد تفصيلاته الصراعية . إنتبه إلى هذا المشهد :

مهرك يتجادح بالحنطة .. ويعلگها امناثر لعگالك ..

إن هذه المشهدية السينمائية قد فرضتها ثقافة الشاعر . ولنقل بلا تردّد أن شعراء العامية الذين سبقوا مظفر لم يكونوا مثقفين .. وهم معذورون بسبب طبيعة المرحلة التاريخية التي عاشوها .. كانوا مثقفي فطرة .. وثقافة الفطرة قد تدهش أحيانا من ناحية الإلتقاط التلقائي ( العذري ) لتململات الطبيعة ، لكنها (لا تخلق)..بمعنى أنها لا تستطيع تشكيل حركة شعرية من الحركة الطبيعية التلقائية ..أي أنها عاجزة عن الإنتقال من حالة(الرصد) الفوتوغرافي إلى مرحلة (التجسيد) السينمائي المشهدي العريض الذي ابتكره النواب( سنغني كل الأطروحات السابقة بتطبيقات تحليلية نفسية لغوية لنماذج كثيرة من نصوص الشاعر ) .وثقافة مظفر أيضا هي المسؤولة عن إدخال الحس التشكيلي ( اللّوني خصوصا ) في عوالم القصيدة العامية بريادة مؤصلة .سنجد الدم الأحمر الذي يحزم سواد الليل .. والسل الأصفر الذي يصيب القصب الأصفر.. والدم الذي يحنّي الشلب.. وبرد الصباح الأزرق المرصع بالشذر .. وغيرها مما سنعرض له لاحقا . وعلى ذكر الثقافة فإن روّاد الحركة الشعرية التجديدية الثورية قد حصلوا على معين معرفي هائل من خلال الإطلاع على التجارب المترجمة لإليوت وإديث ستويل وغيرهما .. فمن يترجم لمظفر؟..صحيح أن مظفر يعلن دائما في لقاءاته أنه في حياته العاصفة التي أمضاها في الأهوار أو في منفاه الذي قرض حياته وصحته بعيدا عن بغداد المحروسة أن وجدانه قد تشرّب وأتخم بالموروث الشعبي العراقي .. بزهيريات الحاج زاير ..وأبوذيات ملّا منفي وعبود غفلة ..وبنحيب جبير الكون على إيقاعات صبا زمزم ..وتمزقات روح ( جويسم ) حين يصدح بالمحمداوي ..صحيح أن هذا الرافد هو معين ثقافة مظفر الأساس والذي لا ينضب ، إلّا أنه لا يفسر لوحده ظاهرة الثورة النوابية ولا يفسّرها أيضا تأثره الحتمي بإنجازات الحركة السيابية الثورية التي سبقته زمنيا .(هناك عوامل مضافة جذرية سنعالجها لاحقا ) .

ولو عدنا إلى قصيدة (مامش مايل) سنجد أنها تروى أيضا بضمير المتكلم المؤنث.وهي بادرة غريبة على الطابع السكوني الذي وسم مسار القصيدة العامية العراقية.ومثلما كان الحبيب الثائر المخاطب في القصيدة السابقة(سفن غيلان ازيرج)هو(غيلان) الإنسان البسيط الذي لا نعرف له سابقة وطنية أو شخصية ولم نسمع باسمه من قبل ،لكن مظفر هو الذي خلق منه أسطورة دارت على كل لسان فإن المخاطب هنا ، في قصيدة ( ما مش مايل ) هو ( لعيبي ) .. وفي قصائد أخرى هو حمد ،أو سعود ، أو صويحب ، أو حجام أو ... إلخ . وباستثناء ( حسين ) شقيق روح ( فدعة ) - خنساء العراق - التي دفعها تثبيتها المحارمي - من حيث لا تدري - إلى إبداع أعظم مرثية طويلة وقفت من أجلها حياة كاملة وسبقت بها مراثي النواب المتفرّدة التي سنقوم بتحليلها لن نجد فعلا شعريا صارخا يصر على الإعلان عن اسم بطل شعبي مفترض والانتصار له بعزم وانحياز لا هوادة فيه ( ستجد ذلك في تحليلنا لقصيدة - أو ملحمة- حجّام ).. خلق مظفر من أسماء ( شعرية ) مجازية - وقد تكون حقيقية - حقائق يتداولها العراقيون بمختلف شرائحهم ..والأهم من بين هذه الشرائح هو الناس البسطاء.. باعة الخضرببلل أيديهم الدائم المنعش .. وسوّاق (النيرن)الذين تعط رائحة البنزين من دشاديشهم .. طلّاب المتوسطة الذين يلمّعون شعرهم بزيت الطعام ..الفلاحون ذوو الأرجل المفطّرة المباركة .. عمّال البناء ذوو الأيدي الخشنة المقدّسة .. الحرّاس الليليون الذين يطردون لصوص آخر الليل بسعال صدورهم المدوّي ..أصحاب البسطيات في كراج النهضة الذي أكل أعمارنا سنوات الحرب ..الجنود المقاتلون الذين كانوا يضعون قصائده مع أدعية الأمهات وحروز الحبيبات قبل أن يلتهمهم المثكل مع القصائد..هؤلاء هم أحباء مظفر .. لأول مرّة يظهر في العراق شاعر تقرأه شرائح الشعب كلّه .. هذا ما لم يحققه السياب وبقية فرسان الحركة الشعرية الثورية الجديدة الذين بقى انتاجهم نخبويا ..لايستوعبه جدّيا إلّا من يمتلك على الأقل درجة جيدة من التعليم ( المرحلة الإعدادية على الأقل ) في حين ينتقل تراث مظفر شفاهيا بين الأجيال مثل رسالة مقدّسة .. شاهدت أناسا أمّيين يحفظون مقاطع من ( وتريات ).. بين جمهور مظفر قطاع واسع من العجائز مهدّمات الأسنان والروح اللائي ابيضّت أعينهن وهن ينتظرن ( الغائب العراقي المنتظر الذي قد يكون غيلان أو لعيبي أو سعود أو جابر البيلسان ) بلا رجاء .. وبلا نهاية قريبة تمسك بيد الأمل البيضاء وتنهي لعبة الإنتظار المديد التي ابتلي بها العراقي منذ فجر تأريخه ..ما أريد قوله هو : أن الحداثة في كل مكان من العالم نخبوية ..سواء في أوربا التي صدّرتها إلينا أو في الوطن العربي الذي يحاول مستميتا أن يرقّع لها دشداشة عربية منذ أكثر من قرن ونصف ..والحداثة الشعرية العربية تتدهور مع بداية الألفية الثالثة لتتحول إلى (حداثة نخبة النخبة) حيث أصبح القاريء متوسط الثقافة - خريج الكلية مثلا - عاجزاعن فك مغاليق النص الشعري الذي صار طلّسما يتداوله سحرة الحداثة ومابعد الحداثة من النقاد والشعراء ..إلّا (مظفر النواب) فقد جاء حداثيا لكنه جاء شعبيا في الوقت نفسه .. وهي لعمري معادلة غريبة جدا .. لكن لها حديث طويل مقبل .. فكونوا معنا .








حسين سرمك حسنمشاهدة المزيد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wwwsabriy.ahlamontada.net
 
دراسه عن النواب ...الدكتور حسين سرمك حسن(بين الثوره النوابيه...وحركة السياب الثوره)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشاعر والاعلامي صبري السعدي :: القسم الثقافي والادبي :: منتدى مقالات عامة-
انتقل الى: